(من أوراق خـوذة مثقوبة)
قبل أن يجرفني التيار, كنت أنا الشاهد والمشهد الكامل الملوّث بالدَّم رسمتُ على الأرض علامة الأفق , فسقط رأسي في الضجيج . النبوءة التي غامت : غابت و استدارات في معصمي في يدي اتسعت دائرة الصليب. بكيت.ُ.... حينئذ رأيت دوائر الدم في الزيت.
بيني وبين الله وجهي. ووجهي غارق في خطوط الزمن الصعب . ناديتُ : يا مريم أين أمي ؟ فصعد المسيح الجديد في سحب الدخان على أرض المعركة .
بكيتُ إذ كنت أتأمّل لون النقوش القديمة وعلى جبهته القنبلة الموقوتة والهلال مُؤتَّزر بالدَّم فى الكهوف النائية. أسندت قلبي لدفء الرمال , للريح أوغلتُ في قلب المصيدة والموت ولم أشمّ إلا رائحة الزيت والبارود . بكيتُ .....
هنا نظَرَت العرّافة في إصبعي المحروق وقالت : هكذا في لمح البصر احتوى القدر بيديه المحنكتين كل المدينة التي كانت تعيش سنواتها الضوئية بسرعة خارقة ، دون أن يعطي أدنى فرصة للحزن , أحكَمَ التاريخُ حبكته البارعة على مملكة الرواة الذين كانوا يمكثون قرب تلك الأعالي ، وكان على الكون كله أن يستعيد القراءة في شئون الفقه والحضارات , وسقَطَت النبوءة في شدق الأحابيل المهروقة منذ االقرون الوسطى ....... حتى أطل المسيح الجديد ورمى بظلّه من سارية الصليب لتنفجر الأرض والجبال والأنهار والسماء , فاندلع هرج هائل ليصير علامة تزيّن صدر هذا الكون الفاقع..
كان هذا في الليلة الثانية عشر ، وغبار النوايا الفاسدة يغلف لغة العرافة التي ، من فرط نشوتها في الحديث ، عصفت الريح في كفها وثيابها كأنها الأنَّة النائحة. في ذات الليلة رأيت زرقاء اليمامة تعدّدُ قلوب النساء اللائي شقَّ الدمعُ نواطيرَ من الكآبةِ في عيونِهنَّ المنهزمة. لم تكذب الزرقاء حين قالت: أرى خرق من ثياب الليل تلتف حول مسالك المدن المحاطة بزوايا الأمنيات لسكانها الذين أدمنوا النعاس الطويل وعراك الرجال المتواطئ مع سلالة النكبات التي وصفت في الكتب القديمة. والتاريخ له لسان طويل يأخذ الأطفال من وهم إلى آخر. ويروض النار في حدقات المخلوقات الذاهلة...
" لم تكن هذه الرؤية الأولى للمعركة ولا الأخيرة " قالت العرافة. ثم فتحت عينيها في بطء وأكملت تحديقها في خطوط كفي المنقبض الميت .
هنا جلست أرتج بقوة في موتي إذ قالت العرافة : رأيت الإبادة يقظة مقدسة تفتح الأبواب للشمس لشرق جديد . بكيتُ , استدراك... هنا القصة من زاوية مختلفة أو الحقيقة الكاملة قالت زرقاء اليمامة : قسماً يا خليفة إن شهرزاد تكذب. لم تكن هناك خوذة تحكي كل هذا بل هذا كله نسج من خيال شهرزاد! هز الخليفة رأسه وقال " ذلك ليس حسن ! " كان على زرقاء اليمامة أن تُعيد النبوءة من منطلق آخر حتى تُفسد خطة شهرزاد التي كانت تخطط للاستيلاء على أكياس اللؤلؤ. أخذت زرقاء اليمامة إصبعي وقالت: ما أقسى أن ينفتح جدار نحو الشرق.. *هذا دمُ الشمس التى ستشرق, الشمس التى ستغرب، الشمس التى تأكلها الديدان! دمُ القتيل أحمر اللونِ، دمُ القتيل أخضر الشعاع، خيط عليه تنشر الدموع.. كيف تجفٌ فى أشعةِ الصباح"1 ثم أحنت رأسها وبكت معي.. وهنا انفتح باب لم يفتح من قبل لا جن ولا إنس .
*من نص أشياء تحدث فى الليل للشاعر أمل دنقل كندا 10 اكتوبر 2006
|